أهمّية النقوش الصخرية في الجنوب الشرقي الليبي

لا شكّ في أنّ موضوع الآثار الليبية يظلّ من الأهمية بمكان ويرقى لأنّ يكون من المسائل المتعلّقة بالسيادة الوطنية لما له من ارتباط وطيد وحيوي بتاريخ هذا الشعب العظيم والأقوام التي مرّت أو وفدت واستقرّت بهذه البلاد التي يُطلق عليها اليوم اسم ليبي، ولا يخفى على أحد أنّ هذه الأهمية مرتبطة بالحدود عبر التاريخ رغم التداخل الدائم والانزياح المستمرّ للأقوام التي قطنت المنطقة واستقرّت بها عبر الدهور الكونية.
ولا غرو في أنّ هذه الأهمية تفرض علينا أن نولي اهتماما كبيرا بالدراسات الأركيولوجية والأنثروبولوجية والتاريخية التي تحدّد المحطات الكبرى وتفسّر بعض الظواهر. وفي هذا الصدد تندرج بعض الأعمال والدراسات العلمية أو غيرها من المؤلفات التي تتناول موضوع الآثار في ليبيا لتُجلي عنه ما اكتنفه من غموض عبر العصور بسبب التضاريس الصعبة أو غيرها من الظروف الموضوعية مثل الجغرافية الشاسعة وتوزّع هذه الآثار على رقعة تناهز الميلوني كيلومتر مربّع والتي حالت دون القيام بدراسة هذا الموضوع باستفاضة. وفي ضوء ما تشهده بلادنا وجامعاتنا -مثلنا مثل سائر البلاد العربية- من تخلّف في مجال البحث العلمي والذي دفع عدد من الباحثين إلى ارتياد جامعات أجنبية لإجراء بحوثهم، تظلّ الكثير من البحوث والدراسات العلمية طي الكتمان قابعة على رفوف المكتبات الأجنبية ليستفيد منها الأجنبي ويُحرم منها ابن البلد سواء كان طالبا أو باحثا أو صاحب قرار سياسي. إنّ مثل هذه الأعمال في رأيي كنوز ثمينة لا بدّ من اكتشافها وإخراجها إلى دائرة الضوء.
وقد حرصت على أن أسوق هذه المقدّمة لأعبّر عن شعور الارتياح الذي انتابني وأنا أتصفّح شبكة الانترنت عندما عثرت على هذه الدراسة العلمية حول النقوش الصخرية في ليبيا. فكلّ ما وجدته إلى حدّ الآن اقتصر على كُتب الرحالة المستكشفين -ويعدّون على أصابع اليد- الذين دوّنوا ملاحظاتهم وهم يجوبون الصحراء الليبية، أو مجرّد جُذاذات نشرها أصحاب وكالات الأسفار للترويج للمنتج السياحي الليبي الذي أفِلت شمسه أو كادت منذ قيام ثورة فبراير وذلك بسبب حالة عدم الاستقرار التي تشهدها البلاد وانقطاع الرحلات السياحية عن ليبيا بسبب تدهور الوضع الأمني بها.
هذه الدراسة -أعني هذا الكنز الثمين- هو عبارة عن رسالة دكتوراه باللغة الفرنسية* بعنوان “النقوش الصخرية في الجنوب الشرقي الليبي (منطقة الكفرة) -(المجلّد الأوّل) مقدّمة من سعد عبدالله بوحجر لنيل درجة دكتور بجامعة غرونوبل – تخصّص تاريخ الفنّ. ونظرا لأهميّة الموضوع وطريقة تناوله العلميّة لا يسعني هنا إلاّ أنّ أسوق الملخّص الذي أورده الباحث باللغة العربية بعد إدخال بعض التصحيحات اللغوية عليه، لإعطاء فكرة إجمالية عن موضوع الرسالة وأهميّتها، لعلّها تكون حافزا لباحثين آخرين للاضطلاع بدور مماثل والتركيز على جوانب أخرى من هذا الموضوع بغرض تسليط الضوء على هذا التراث الذي أسهمت في تشكيله أقوام وقبائل ليبية أصيلة جابت تلك الربوع من الصحراء منذ القدم وإلى اليوم ومنها الجرمنت والتبو والتوارق والقرعان وغيرهم من الأقوام وذلك قبل مجيء العرب المسلمين بدهور طويلة.
“على ضوء دراسات الحيوانات التي وجدناها في المواقع الخمسة المدروسة في حوض الكفرة، يُمكن لنا تقسيمها إلى ثلاثة مراحل:
الأولى: مرحلة الأبقار البرية، عُثر على نقوش هذه المرحلة في واحتي بزيمة وربيانة وفي منطقة بئر العوادل. وعدد النقوش التي اعتمدت هذا الأسلوب ة عددها بسيط مع غياب نقوش الأشكال البشرية بشكل عام. تُهيمن نقوش الأبقار على هذه الفترة والتي جاءت بالأسلوب الطبيعي ونجد فيها كثيرا من الحيوانات التي تنتمي إلى فصيلة الأنتيلوب (نوع من الظباء) وما يُشبهه الفيل، إضافة إلى بعض الحيوانات غير المحدّدة من حيث الفصيلة. كما وُجدت أكثر نقوش هذه الفترة في الأماكن المرتفعة عن سطح الأرض على الجدران العمودية للمنحدرات الصغيرة.
ثانيا: المرحلة الرعوية (أسلوب الأبقار): وُجدت آثار هذه المرحلة في معظم أجزاء إقليم حوض الكفرة، خاصة وتحديدا في منطقة جبل العوينات حيث نرى أنّ عدد الأعمال المرسومة أكثر من الأعمال المنقوشة، وتختلف الموضوعات المنفذة على سطوح الجدران من مكان إلى آخر حيث كانت تطغى الأعمال المرسومة والمحتوية على رسومات الأبقار والمرفقة بأشكال بشرية وبعض الحيوانات المتوحشة من مختلف الفصائل.
إنّ الأعمال التي احتوت مواضيع تبرز جانبا من جوانب الحياة اليومية تظلّ نادرة إذا ما استثنينا بعض المشاهد التي تمثل الصيد ونصب الفخاخ.
كما نلاحظ أيضا وجود بعض الأشكال الهندسية وآثار أقدام الحيوانات الكبيرة في موقع بزيمة 2، وتختلف مقاييس النقوش حسب الفترة التي تنتمي إليها، حيث يبدو أنّ النقوش ذات الحجم الأكبر تنتمي إلى الفترة الزمنية الأقدم. ولوحظ أنّ تتراكب النقوش انفرد به موقع بئر العودال بشكل عام مع وجود بعض الحالات النادرة في بعض المواقع الأخرى. وفيما يخص التقنيات المستعملة في هذه النقوش نرى أنّها جاءت بأسلوب خط الكفاف بأعماق وأطوال مختلفة، وكذلك تقنية خط الكفاف المنقط والشكل االمنقط بالكامل. ويُمكن أن نجد هذه التقنيات متداخلة في عمل واحد. والأعمال الملونة التي تمّت المحافظة عليها توجد في الكفرة وحولها وهي صغيرة الحجم ولم يصمد من الأوان التي استُعملت فيها ضد العوامل الطبيعية إلاّ اللون الأحمر.
ثالثا: توجد رسوم مرحلة الجمال في العوينات وخاصة في بزيمة وربيانة، واحتوت هذه المرحلة على نقوش فقط، وتوجد النقوش في هذه الفترة بصفة عامة على مقربة من المنازل والقبور، وتمّثل الجمال الدزء المهمّ من الأشكال المرسومة وتظهر أحيانا فرادى وأجيانا في شكل جماعات وأحيانا أخرى لرفقة بسائسيها من البشر.
ملاحظ أنّ الفصائل الأخرى من الحيوانات نادرة الوجود وأنّ الأشكال الهندسية ترافق دائما الجمال المنقوشة على طريقة خط الكفاف العادي. وهناك الكثير من للمشاهد التي تمثل القوافل أو قطعان الإبل، كما نجد أيضا مشهدا وحيدا لمعركة حربية بين مجموعتين من البشر في (قارة المكحاز) بواحة ربيانة، كما نلاحظ أيضا بعض نقوش الجمال التي تغطي نقوش الأبقار نتيجة لعدم تواجد أماكن صالحة لممارسة فن النقش، وفي العديد من الأحيان نرى نقوش ا[قار بدون تراكب نقوش أخرى عليها، وفي أجان أخرى نجدها منقوشة بطريقة بسيطة، بالرغم من أنّه تم استعمال العديد من التقنيات في هذه النقوش، وهذه التقنيات هي خط الكفاف المنقط، وتقنية الشكل المنقط بالكامل وتقنية الصقل، ورغم هذا التنوع إلاّ أنّ تقنية خط الكفاف العادي هي الأكثر استعمالا لسهولة تنفيذها.
إنّ تنوّع الأشكال وتفاوت القدرات الفنية التي لاحظناها يجعلنا نظنّ أنّ هذه النقوش هي نتيجة تداول العديد من الفنانين الذين وضعوا فيها ثمار مخيلتهم. ولم نلاحظ وجود أي آثار لكتابة قديمة بل وجدنا كتابات حديثة باللغة العربية.
ونستطيع القول بأنّ اختفاء نقوش الخيل في هذا الإقليم عكس منطقة جنوب غرب ليبيا ممّا يؤكد الاختلافات بين المنطقتين.
إعداد: عثمان المثلوثي
*Saad Abdulla Buhagar. L’art rupestre du Sud-Est Libyen (Région de KUFRA). Archaeology
and Prehistory. Université de Grenoble, 2012. French.

المصدر:
https://halshs.archives-ouvertes.fr/tel-00915778/document