حسنين يكتشف “مغارة الفنون” بمعاونة التبو

حتى عام 1920، لم يجرؤ سوى رجل واحد هو أحمد حسنين بك (النسخة المصرية للشخصية الملقّبة بلورانس العرب) على اقتفاء أولى مسارات شعوب نابتا بلايا (النوبيون الأوائل) التي عاشت في ما قبل التاريخ حتى سفوح الجلف الكبير وجبل العوينات. فقد كان حسنين يعتقد أنّ عددا من الأساطير البدوية عن “الواحات الضائعة” تشير إلى وجود حلقة منسيّة في عصور ما hasanen-§قبل التاريخ المصري، وشرع في أطول رحلة صحراوية في التاريخ الحديث للعثور على تلك الواحات. يقول حسنين “كانت هناك … قصص غامضة … عن واحتين “مفقودتين” هما (أركنو) و(العوينات) وتقعان بعيدا ناحية الشرق من الطريق التجاري المؤدية إلى ودّاي. كانت الواحتان أسطوريتين تقريبا، ولا تقعان حسب ووصفهما على أي طريق أو مسلك يستخدمه البدو أو السود. وهنا كنت في نهاية المطاف قد ألقيت بنفسي في الفيافي غير المطروقة والمجهول “.

وصلت قافلة حسنين إلى (أركنو) بعد مسيرة ثمانية أيام في جوّ من الحرارة الحارقة في النهار والبرد القارس في الليل. وبعد المكوث بضعة أيام في أركنو، قاد الدليل البدوي المستكشف حسنين إلى جبل العوينات، ولتجنّب حرارة النهار التي لا تطاق كان السفر ليلا معتمدين في سفرهم على حساب مواضع النجوم وهو تقليد قديم، تعود بالتأكيد إلى البدو الأصليين الذين جابوا صحراء العصر الجليدي الشاسعة  لدهور كونية سبقت.

وكتب حسني قائلا: “إنّ الطريقة التي يجد بها البدوي طريقه عبر الصحراء ليلا هو مثار للعجب لغير المتمرّس في الميدان. ففي مثل هذه المنطقة التي لا تحتوي على أيّة معالم مألوفة، يعتمد فقط على مواقع النجوم. وبينما كنّا نغذّ السير في اتجاه جنوبي-غربي خلال معظم رحلتنا الليلية الشاقة، كان النجم القطبي خلف ظهر الدليل. وكان يولّي وجهه شطر الأفق في حين يكون النجم القطبي خلف أذنه اليمنى ثم …يرى .. نجمًا إلى الجنوب في ذلك الخط، فيسير خمس دقائق تقريبا وعينه مركّزة على هذا النجم، ثم يلتفت ويرمق مجدّدا النجم القطبي؛ لأنّ النجم ناحية الجنوب بطبيعة الحال، يتقدم باستمرار غربا. ثمّ يحدّد نجما جديدا للاسترشاد به وهكذا دواليك.”

مغارة الفنون في جبل العوينات

كان جبل العوينات منظرا مُفرحا للمستكشفين الذين نال منهم التعب وأرهقهم السفر الطويل الشاق. فقد تناثرت هنا وهناك بين التلال الصخرية برك مياه سطحية تشكّلت بمياه الأمطار المتفرّقة، وهي التي استمّدت المنطقة منها اسمها: العوينات، أي عدد من العيون في إشارة إلى برك المياه وشكلها.

في الأيام التالية، استكشف بعض من رفقتي المحيط الخارجي لجبل العوينات الصخري، ونزلوا في الأودية الجافة في تلك الليلة. وقد تحدّث ملك التبو المحليين وعددهم نحو 150 فردا عن الرسومات الصخريّة الغامضة والنقوش الغائرة للحيوانات، والتي فرّج حسنين عليها بكل سرور.

hasanen-2

“هناك رسومات لأسود وزرافات وطيور نعام، وجميع أنواع الغزلان، ولكن لا وجود للإبل. وسألت ملّكيني التباوي مستغربا: “من رسم هذه؟ فقال أنّه يعتقد أنّها من عمل الجن … فلا توجد زرافات في هذا الجزء من أفريقيا الآن، كما أنّها لا تعيش في أي بلد صحراوي كهذا في أي مكان. ولعل الأمر الأكثر أهمية هو غياب الجمال من الرسومات … فالإبل لم تأت من آسيا إلى أفريقيا إلاّ مع تاريخ 500 قبل الميلاد.”

لقد سُقنا هذه التفاصيل الصغيرة أملا في أن تكون نافذة صغيرة تمكّن الباحثين المهتمّين بتراث التبو من الولوج إلى آفاق أرحب للقيام بزيارات ميدانية ودراسات أركيولوجية من شأنها أن تثمّن هذا التراث وتُلحقه بمصاف التراث الدولي بغرض تدوينه وتوثيقه وحمايته.

*المصدر: http://alternativearchaeology.jigsy.com/the-kingdom-of-yam

ترجمة: عثمان المثلوثي