التبو …. ملح الارض وفاكهة الصحراء

التبو …. ملح الارض وفاكهة الصحراء

الصحراء الليبية  عالم أخر كبير ؛ وملئ بالعجائب والاسرار والاساطير والمفاتن الساحرة . فهى مأوي الحالمين والباحثين عن الهدوء والسكينة والتامل والانشراح بعيدا عن صخب المدن وضجيجها .

عالم لم يكتشف بعد.. عالم له طعم اصيل خاص .. إنها مزيج من الحداثة والبداوة وزخم الحضارات القديمة الضاربة في عمق التاريخ ؛ حيث جمال الطبيعة الساحر والكتبان الرملية وكانها جبال من التبر ؛ وكنوز تاريخية جرمانتية ورمانية وبيزنطية واسلامية .

اضافة الي النقوش الصخرية مخاض ثقافات إنسان ما قبل التاريخ . انها نافذة علي عالم جديد ملى بالمتعة والمغامرة الصحراء الليبية الشاسعة بكتبانها الرملية العالية وبحر الرمال وواحاتها الجميلة الجذابة تمثل بالنسبة للكثرين حلم واغراء لايقام …

هذه هى الصحراء التي سكنها قبائل التبو وقبائل الطوارق وغيرهم من الممل والمناحل …..

ولكني بوجه خاص اقول ..

ان اجمل ما يعجبني في قبائل التبو

  • الخيال النابع من الاسطورة
  • والفكر النابع من الصحراء
  • والاصالة النابعة من عشق المكان والزمان

والذي يشدني اليهم بقوة ..

انهم ظلوا تبواً من قبل ان تعرف الخليقة الحرف

ظلوا تبواً من فجر التاريخ والعصور الي يومنا هذا….مرورا بعصر ما قبل التاريخ والعصور التهجير والتهميش والانسلاخ العرقي .

قبيلة قدرها ان تولد في رحم خارطة الوطن شعب قدره ان يؤكل اليه حماية الثغور الصحروية ولم يتهان او يتقاعس … ابداً

صنع حراباً من لحى الاشجار وغرس في مقدمتها مثلثاً حديداً مسموم .. وقاتل بواسطته الهللينستين والرمان والبيزنطينن والفرنسيين والايطاليين  .. وارغمهم ان لاتدوس اقدامهم حبات الرمال المقدسة .

قبائل التبو .. اذا ما لقينا نظرة خاطفة على حقيقتة الوضع الديموغرافي الذي يعيشونه نكتشف وبمنتهي الحرقة انهم ضحايا الجغرافية المصطنعة ..بالرغم من انهم يسبقون في وجودهم كيانات إجتماعية اخرى مثل الامازيغ والطوارق والهوسا والكانوري وقبائل البولا .

يقول المورخين .. ( ان قبائل التبو هى عبارة عن مجموعة من القبائل والعشائر ذات الجذور الافريقية التي لايستطيع اي مؤرخ او دارس لتاريخ السلالات البشرية الافريقية ان يجزم باصولها بشكل قطعي ؛ ولكنهم يتفقون جميعاً على اصلة هذه القبائل وقدمها فى هذا الزمان والمكان ومنذ فجر التاريخ الانساني )

 نحن كأثريون .. وعند دراستنا لاى شعب من الشعوب نضع نصب اعيننا اربعة عناصر هامة وهى .

  • الاسطورة ( وما تحكيه عن هذا الشعب )
  • الشواهد الاثرية الباقية .
  • اقوال المؤرخين والرحالة .
  • الادب والشعر والامثال .

وبالنسبة للعنصر الاول الاسطورة فلولاها ما استطعنا دراسة الحضارة الاغريقية فال ( greek mytology  ) لعبت دوراًاساسيا فى بناء الحضارة الاغريقية وانتشارها .

وقبائل التبو لديهم الاسطورة والخيال وبالتالي الثقافة التباوية الضاربة فى الجذور .. وتعالو لاحكى لكم عن احدى هذه الاساطير التباوية التى كانت تحكيها الجدات عندما يتعلق حولهن الاحفاد الصغار .. تحت ضوء القمر وبراد الشاى فوق النار

تقول الحكاية ..

كان يا ما كان في قديم الزمان وفي سالف العصر والاوان :

رجلا تباوياً يقود جماله عبر الصحراء ، كان يساعد الراعي في جلب دلاء الماء من البئر وجمع القطيع وحراسة المكان وفجأة هبط طائر عملاق من السماء وكأنه طائر الجريفن الخيالي في الاساطير الاغريقية وغرس مخالبه الحادة في سنام الجمل الابيض وطار به في كبد السماء .. أصيب الراعي بالدهشة والحزن العميق . وهذا النبأ الدرامي في الخرافة كان يقصد به ان يشعر الصغار في بفداحة الامر وصعوبة المأساة .

فهل ارادت الجدة ان توحي بالموت الذي يخطف الاخيار ام انها اردت ان تشير الى الصراع الابدي ما بين الخير والشر الذي دائماً ما يغرس براثنه في احبتنا ..

ولكن الجدة تأتي فيما بعد لكي تنتشل احفادها من اغوار الحزن ومن سؤالهم المرير .. أين \هب جملنا الابيض ؟

تقول الجدة .. لقد اخذه الطائر السحري لكي يساعده في انقاذ ام وابنتها من الموت المحقق في الصحراء قانطة لا ماء ولا شجر فيها .. سالكاً لهم طريق امنة الى قرية التبو الوادعة والتي تفترش رمال الصحراء وتتوسد حضن الجبل الامن .

الاسطورة حقاً كما يقول العلامة (شتراوس).

( هي رواية التاريخ )

اما العنصر الثاني وهو الشواهد الاثرية الباقية التي تدل على وجود قبائل التبو في تلك البقعة من الصحراء الليبية مثل :

المنشأت المعمارية والنحت والفخار والعملة والنقوش الصخرية والفسيفساء والفرسكو واحجار الاميال وقنوات المياه ومعاصر الزيتون والعنب وافران الفخار ..

كلها تحتاج الى البحث والتنقيب والدراسة وقبائل التبو لم تأخذ نصيبها من كل تلك الدراسات والبحوث .

فقبائل التبو شعب رحل يضربون خيامهم حيث تقودهم بوصلتهم السحرية صوب ودبان المياه ورائحة الاعشاب وهذا يعني ان منازلهم متنقلة وينطبق عليهم قول العالم ( اوريك بتيس ) الذي قال ان الليبيون لم تكن لهم عمارة اي عمائر ومنشأت معمارية بالرغم من نظريته عن البناء المضلع الذي نسبه الى الليبيين .

ولكن ألم يكن يأكلون ويشربون في اواني فخارية او لم تكن تصنع هذه الاواني في افران فخارية ! اين هذه الافران والاواني ؟

ثم نأتي للنقوش والرسوم الصخرية على جدران الكهوف وخاصة الاشخاص الذين رسموا باللون الاسود هل لهم علاقة بالتبو ؟ وهل مارس رجال التبو الرسم ؟ او النقش على الحجر ..

كل هذه الاسئلة تحتاج الى دراسة .

ثم نأتي الى طرق الدفن والطقوس الجنائزية المعروفة سواء في عصر ما قبل التاريخ او في العصور الكلاسيكية الاغريقية والرومانية والهللسنستيه ..

هل عرف التبو طريقة دفن القرفصاء ؟

هل عرفوا حرق الجثة ؟ هل لهم علاقة بالمقابر الدائرية ( Tolos ).. !

وهل كانت لهم نذور وتقدمات جنائزية تدفن مع الميت ؟ كلها أسئلة تحتاج الى بحث ودراسة وتنقيب وعمل جاد ومن أساتذة متخصصين في غلوم الاثار .!

نأتي للعنصر الثالث

وهو أقةال المؤرخين والرحالة

لقد تحدث المؤرخ الاغريقي ( هيرودوت ) عن جرمة أو قرمة ووصف الجرمنتيون بالقوة والمنعة واستخدام العربات التي تجرها الجياد ووصفهم بالبدائية والتوحش وعدم امتلاك اي اسلحة يدافعون بها عن انفسهم وتحاشي الاختلاط بالاخرين ( وهو قول مغلوط ويرد عليه ) وكانت جرمة تصدر الملح ورش النعام وعاج الفيل والاحجار الكريمة ، وقد تم العثورعلى اكثر من اربعين الف قبر ومائة ضريح باتلقرب من مدينة جرمة مما يدل على اتساعها وعدد سكانها الكبير ولا نعرف شيئاً عن اسماء القبائل الجرمنتية التي من غير شك كانت كثيرة وانها اسست مدن وقرى اخرى متصلة بجرمة وفي جميع ارجاء فزان في وادي الاجآل ووادي الشاطئ ومرزق وغيرها وتحدث ايضاً عن تلك القبائل كل من المؤرخين استرابو وبليني وبلطيموس والبزنطي كوريبوس .

كل البحوث تشير الى ان الجرمنت كانوا ينتمون الى اربعة مجموعات سلالية اثنان منها بيضاء وواحدة زنجية والربعة مزيج من هذه السلالات ..!

فهل قبائل التبو هي احدى السلالات ؟

يشير الرحالة الالماني ( ناختيغال ) الى تنوع سكان فزان والذي زارها حوالي عام 1864م حيث يقول ان سكان فزان اليوم يمثلون خليطاً حقاً . ففي الجنوب في تجرهي ومدروسة وبخي والقطرون يوجد التبو الاقحاح ويعني التبو الاصليون ..!

ويذكر الرحالة الالماني (هورنمان) الذي زار فزان عام 1797م قوله ( يسكن التبو غرب وجنوب وجنوب غرب فزان ويحكمون ايضاً الاقليم الذي يقع في المنطقة الصحراوية ما بين فزان ومصر وأقرب نقطة مسكونة شمال التبو هي أوجلة وسيوة ويجاورها من ناحية الجنوب العرب الرحل ومن ناحية الغرب الطوارق وبشرة التبو ليست سوداء تماماً . قوامهم نحيل سواعدهم مفتولة مشيتهم رشيقة وعيونهم ذكية وشفاههم غليظة وأنوفهم فطساء وليست كبيرة وشعرهم طويل جداً .

وفي مشاهدات الرحالة المصري احمد محمد حسنين  يقول .. ( ان الحديث عن التبو لم يأخذ شكلاً مباشراً الا بعد ان وصلتهم اولى رحلات المستكشفين والجغرافيين الذين عبروا الصحراء الليبية نحو مجاهل القارة في القرن الثامن عشر ولا نعثر قبل ذلك سواء على بعض الاشارات التي ربما دلت على عزلة التبو او وتفضيلهم تجنب الاغراب ، ولقد تحدث عن مرافقة التبو لهم كأدلاء في الصحراء .والذين كانوا حتى ذلك الوقت يتوارون خلف كثبان الصحراء ومجاهلها ..!

ثم يقول ايضاً تعرف جمال التبو بشكل خفافها واقتفاء خطواتها وجمال التبو أصبر جمال البدو على السير ويمكن استخدامها في شمال بصحراء برقة وفي الجنوب في اراضي السودان ومن مشاهداته اليومية على التبو انهم قلما يستخدمون النار في تحضير طعامهم وان انسوا اليها وفرحوا بها وهم يجففون لحاء النخلة عند قمتها ويطحنونه ويصنعون منه مسحوقاً يضيفون اليه بلحاً وهو بذلك يشير الى ما يعرف بأسم الجمار .

ومن خرافتهم .. ان التبو يتعمدون الا يتركوا شيئاً في طريقهم لانهم يخافون خرافة مؤداها ان من يلتقط شيئاً سقط منه لابد وان يستولي عليه يوماً ما ..!

وفي النهاية لابأس من ذكر بعض الامثال التي يرددها التبو .

  • لا يمكن ان تبكي عين وتضحك الاخرى

وهي دلالة على ان الحزن والفرح لا يتجزأ

  • ان لم تطفئ النار في الصغر فلا تطفى في الكبر

وهو دلالة على ان المشاكل لابد لها ان تحل في بدايتها قبل ان تكبر وتصبح متشعبة وعصية على الحل

  • طيور البلدان اغارديها متعددة ومختلفة

وهي دلالة ان التعددية من سنن الحياة

  • الانسان يسير والقبر لا يسير
  • المعرفة سلطة
  • الفقر اكثر ارجلاً من الخنفساء
  • لو وقعت المعجزة فالذبابة تكسر الجرة

ان حياة شعب وأساطير شعب وأماني شعب عانى الكثير وهمش كثيراً وقدم الكثير من التضحيات وعاش كثيراً في الظل .

ألم يشير المؤرخ هيرودوت في كتابه التاريخ الى ان التبو هم سكان ليبيا الاصليين ..!

وكما يقول التبو بلغتهم ( الله وور موشي وور ) الله قوي والجار قوي .

ملاحظة أخيرة :

بالنسبة الى ما نشرته جامعة لستر وترجمه الاستاذ عثمان الجبالي المثلوثي في (مجلة التبو) العدد الثاني ابريل 2014م وهى الصور التي التقطتها الاقمار الصناعية وهى أدلة على وجود حضارة مفقودة في قفار الجنوب الغربي من الصحراء ، لقد درس علماء الاثار هذه الخرائط بأمعان واكتشفوا أكثر من مائة مزرعة محصنة تدل طراز انشائها انها من عمل المعمار الروماني الذي اشتهر ببناء المزارع والابراج التي سلمت لليمسي ( lemess ) الروماني والذي يطلق عليهم ( اللمثاني ) ( lemetani  )

وهم جنود وحراس الحدود الذي يحرسون المدن الكوريانيكية والتربولتنانيا وفزانيا .

 

والله الموفق

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

 

 

                                                                                       الاستاذ فتحي علي الساحلي

                                                                                        مراقب آثار بنغازي

رئيس جمعية أصدقاء الآثار الليبية