(هزيمة الإعاقة أمام إصرار الرجال بركة وردقو نموذجاً)

تعددت مفاهيم الإعاقة فهناك من يقول :- ” عبارة عن فقدان أو تقصير وظيفي ، بدني أو حسي أو ذهني ، كلي أو جزئي ، أو دائم أو مؤقت ناتج عن اعتلال بالولادة أو عن حادث ما ، أو مكتسب عن حالة مرضية دامت أكثر مما ينبغي لها أن تدوم ؛ ويؤدي إلى تدني أو انعدام قدرة الشخص على ممارسة نشاط حياتي هام واحد أو أكثر أو تامين مستلزمات حياته الشخصية بمفرده أو بالمشاركة ..”

(1). ولكن الذي يعد مبسطاً وشاملاً هو تعريف منظمة الصحة العالمية والذي يقول :- ” الإعاقة هو مصطلح يعطي العجز والقيود على النشاط ومقيدات المشاركة ”

(2) . والعجز هنا هو مشكلة في وظيفة الجسم أو هيكله . وقد حددت أربعة أنواع للإعاقة وهي الإعاقة الحركية ، والإعاقة الحسية ، والإعاقة الذهنية ، والإعاقة العقلية . فالإعاقة الحركية مثلاً عرفت بأنها” فقدان جزئي أو كلي لقدرة الشخص على القيام بالمهارات الحركية كالمشى ، الوقوف ، حمل الأشياء ، صعود ونزول الدرج ، استخدام الأصابع للكتابة أو تنتج عن تقصير أو خلل وظيفي بدني معين كالشلل السفلي أو الرباعي ، بتر الأطراف …”

(3) . من تعريف الإعاقة الحركية نجدها تنطبق على بطلنا بركة المهدي وردقو التباوي حيث كان مبتور الرجل نهيك عن الإمراض التي زرعت فيه والتي يؤدي معظمها إلى الإعاقة ، لم ييأس هذا البطل من إعاقته الظاهرة التي حدثت له . واصل البطل بركة وردقو مشوار حياته وصار يقاوم الإعاقة بإصراره وأقدامه على الحياة بكل قوة . لقد كانت إعاقة المناضل بركة وردقو إعاقة مدبرة قصد منها شكل حركته لأنه كان معارض قوي وشخصية لها وزنها بين أبناء التبو لما له من شجاعة وكرم وقوة فصيحة في الكلام فخطاب منه يجمع كل محبي الحرية والسلام أمامه من التبو وغيرهم من الليبيين . إذا تصفحنا تاريخ الكثير من العظماء في مختلف الميادين سواء في العلم والحرب والسلم والموسيقى والقيادة…الخ نجد هناك الكثير من المعاقين الذين أصروا على مقاومة الإعاقة وقد هزموها حيث أن الإعاقة لم تقعدهم عن الجد والبحث عن النجاح والانتصارات وأصروا على المثابرة في الحياة ولم يتسرب إلى نفوسهم اليأس حتى وصولوا إلى درجة من الشهرة والمجد . حيث نجد الموسيقي بتهوفن الأصم يقهره وينتصر عليه ويخرج للعالم أروع الألحان الموسيقية ، وكذلك نجد القائد التاريخي نابليون المصاب بتشنجات عصبية يقهر إعاقته ولم ييأس منها بل أصر على قهرها وقد كان له ذلك ، كما نجد كذلك المقعد روزفلت الذي كان على كرسي يقهر الإعاقة ويصبح رئيس أقوى دولة في العالم هي الولايات المتحدة الأمريكية . كما نجد طه حسين الذي أصابه العمى وهو صغير يقهر الإعاقة بإصراره ويصبح عميداً للأدب العربي

(4). في هذه الورقة شخصيتنا التباوية لا تقل عظمة مما ذكروا حيث كانت هذه الشخصية مبتورة الرجل أي احد أرجليه مقطوعة ورغم ذلك لم ييأس حيث قاوم الإعاقة وأصرت على مواصلة الحياة وقد تحقق له ذلك حيث كان قائد ثوار الجنوب وقد ضم إلى صفوفه الكثير من التبو لمواجهة الظلم والتصدي له حيث أسس كتيبة درع الصحراء وصار آمر لها بعد ذلك أصبح رئيس المجلس العسكري مرزق ، وقد كان المجلس العسكري لمرزق له امتداد جغرافي إلى الحدود الجزائرية الجنوبية ، وفي هذا تقول بوابة الشروق الالكترونية :- “” المجلس العسكري لمرزق له امتداد جغرافي إلى الحدود الجزائرية الجنوبية ” (5). بركة وردقو هو من رجال التبو الأبطال الذين سطروا تاريخ نضالي للتبو خاصة ولليبيا عامة ، بركة وردقو رغم الإعاقة التي أصاب بها إلا انه أصر على مقاومة الإعاقة وهزيمتها حيث صار من أهم ابرز القياديين العسكريين في ليبيا في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين . ولد عام 1957 م بمنطقة تجرهي أو تازورة بالتباوي أي التجارة ، وهي من مناطق التبو تقع في أقصى الجنوب الغربي بين مدينة القطرون والويغ الكبير . تربى بركة وردقو تربية صحراوية على مكارم الأخلاق والشجاعة والكرم والوفاء بالعهد وحب الوطن

(6). هو بركة وردقو مهدي قلمة وأمه هي الحاجة فاطمة طوشي حسن زيلاوي وهو حفيد الشيخ البطل عثمان كلوي الذي قاوم الاستعمار الفرنسي أكثر من ثلاثين عاما وذلك بشهادة الفرنسيين أنفسهم ، وهو كذلك حفيد البطل الشهيد وردقو عثمان كلوي الذي استلم الراية بعد والده

(7) . من أهم الأشياء التي كان يوصي بها حتى وهو على فراش الموت الأتي:-

1- رفع الظلم .

2- المصالحة الوطنية بين كل الليبيين .

كان البطل بركة وردقو رغم الإعاقة من الشخصيات المبتسمة دائماً ، كان مرحاً بشوشاً مع رفاقه وزملائه ، كان مقدماً على الصعاب . في سنة 1975م التحق البطل بالجيش الليبي وكان خلال عمله جندياً نشطاً مجداً في عمله كعسكري وكانت وحدته تستعين به في الكثير من الأعمال العسكرية الصعبة خاصة التي تتطلب التعمق في الصحراء والخطيرة . التحق بمعسكر فارس للجيش الليبي ، هذا وقد درس بالجامعة الاسمرية في سبها وهو من حافظي القران الكريم . استمر بركة وردقو بالجيش يعمل داخل وحدته داخل الحدود الليبية إلى أن جاءت سنة 1981م حيث زج به في الحرب الدائرة في تشاد ، رغم رفضه لهذه الحرب ومعارضته لها إلا انه اجبر بالقانون العسكري ودخل مع الجيش بالأمر العسكري

(8) . خلال وجوده في تشاد أصيب البطل بركة وردقو إصابة بليغة في رجله أدت إلى بترها ، وقيل بان بتر رجله كانت عمداً لبروزه كشخصية قيادية بين التبو والقصد منها هو شل حركته وطمس شخصيته القيادية خاصة بعد أن صار تتوارد أخبار شخصيته القيادية . في سنة 1983 وعندما تم تأسيس جبهة إنقاذ ليبيا المعارضة انتسب إليها. كان نشطاً في هذه الجبهة وشكل تهديداً للنظام في ذلك الوقت بسبب انه من الشخصيات القيادية وبجود أبناء عمومته في مناطق حدودية هامة تؤثر على امن النظام إذا تم اختراقها .

بعد مضي أكثر من أربعة سنوات على انضمام بركة وردقو للمعارضة قام النظام في ليبيا سنة 1987م بإصدار عفو عام على جميع المعارضين في الخارج فعاد البطل بركة وردقو إلى ليبيا واستقر في منطقة الجنوب الليبي ، ولم تتركه السلطات الليبية في حاله بل وضعته تحت الإقامة الجبرية وصارت الأجهزة الأمنية ترصد تحركاته وتنقلاته . صار مراقباً من قبل جميع الأجهزة الأمنية إلى أن تم القبض عليه سنة 2000م بناءاً على تقارير الأجهزة الأمنية التي كانت تتسابق في مراقبته للحصول على معلومة تؤدي به إلى السجن ، كانت تلك الأجهزة تراقبه ليلاً ونهاراً . تم ادعه السجن عام 2000م ، وفي السجن عمل معاملة سيئة جداً وبقى في السجن إلى أن تم أطلاق سراحه سنة 2004م ، لم يتمتع بالحرية المؤقتة التي منحت له ونالها بعد خروجه من السجن بل أن السلطات كلفت الأجهزة الأمنية بمراقبته وإرجاعه إلى السجن من جديد حيث تم سجنه في زنزانة انفرادية صغيرة لا يكاد ينام فيها .عمل خلال تلك الفترة معاملة سيئة جداً وقد بدأ المرض الذي انتقل إليه في السجن يدب في جسمه النحيل وصار يشعر بالمرض وتقربت إليه أيدي الإثم بالأدوية المغشوشة والإبر الضارة المنقلة للأمراض الخبيثة ، فصار المرض ينمو ويكبر ويسيطر على جسمه وكان البطل بركة وردقو يقاوم المرض متحدياً المرض ومن زرع المرض في جسده النحيل والإعاقة . سنة 2009م تم الإفراج عنه وعاد إلى مسقط رأسه بالجنوب الليبي . وبعد فترة من خروجه من السجن وبسبب المعاملة السيئة وما قامت به بالأجهزة الأمنية من تعذيب وزرع المرض في جسمه قام برفع قضية على الأجهزة الأمنية من اجل الظلم الذي وقع عليه بسببها . استمرت القضية في التداول وكانت السلطات في النظام الليبي تؤجل النظر الحكم في القضية وتماطل النظر فيها من منظور قانوني ولم يحكم فيها أطلاقاً . في فبراير من سنة 2011م كان بركة وردقو من أوائل الذين التحقوا بالثورة واخذ على عاتقه تحرير الجنوب . حيث تحرك وأسس سرايا من التبو وصار يتقدم لتحرير الجنوب إلى أن كان له ذلك وبهذا امن الجنوب بعد معارك في أطراف مرزق والقطرون وتجرهي والصحراء . إلا أن المرض الذي زرع في جسمه صار يعاركه ويقلق أعضاءه مما جعله يسافر في رحلة علاج . عاني بركة وردقو في آخر حياته الألم المرض الذي زرعه فيه سجانوه أبان سجنه في بداية القرن الواحد والعشرين منذ سنة 2004م وما بعدها حيث قيل بأنه قد حقن بحقن تنقل الأوبية والأمراض الخبيثة داخل السجن وهو ما جعله يرفع قضية على الأجهزة الأمنية . كان رافضاً للقرار رقم 7 الذي أصدره المؤتمر الوطني العام للهجوم على بني وليد ، كما كان يسعى للمصالحة ويحث عليها ، وكان ساعياً لترجيع أهالي تاورغاء إلى ديارهم . كما كان من مؤيدي بناء الجيش والشرطة . هذا وقد توفي بركة وردقو في 26 يوليو من سنة 2016م بمستشفى الشيخ زايد بدولة الأمارات العربية بأمارة ابو ظبي حيث كان يعالج هناك . هذا وقد دفن بالإمارات بإمارة ابو ظبي بعد موافقة عائلته بالدفن هناك (9). إن هذه الشخصية التباوية من الشخصيات التي أصرت على مقاومة الإعاقة وقد هزمتها مثل كل العظماء من المعاقين الذين هزموا الإعاقة . وحقيقة إن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الفكر والجهل . وفي الحقيقة البطل بركة وردقو لم ينتبه لإعاقته ولم يعتبر نفسه يوماً معاقاً .